الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

159

شرح ديوان ابن الفارض

فَوْقَها [ البقرة : الآية 26 ] إلى آخر الآية . وكذلك العارف المحقق لا يستحي من الحق لأنه على الحق في ظاهره وباطنه . وقوله وخل سبيل الناسكين ، أي العابدين الزاهدين من أهل الغفلة ، المتوجهين بعلو هممهم إلى عبادة اللّه وطاعته ، المشتغلين بذلك عنه تعالى وعن التوجه إلى معرفته ومعاني تجلياته ، ولا يطلبون ذلك ولا يرغبون فيه وإنما رغبتهم في طاعته وعبادته فقط . وقوله وإن جلوا ، أي وإن عظموا في عيون عوام المسلمين لرؤيتهم منهم أنواع الطاعات والعبادات في الليالي والأيام من الصلاة والصيام . ولهذا ورد عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه لما أكثر من التهجد والقيام حتى تورمت منه الأقدام ، أنزل اللّه عليه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 3 ) [ طه : الآيتان 2 ، 3 ] يعني أن حكمة نزول القرآن عليك لتذكر بآياته ، وتوصل المؤمنين إلى المعرفة الإلهية بإشاراته فيتوصلون إلى الخشية وهي الإجلال والاحترام قال تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : الآية 28 ] أي العلماء به تعالى بمعرفته فيعرفون من خلق الأرض والسماوات . وقوله وقل ، أي يا أيها السالك . وقوله لقتيل الحب ، أي للذي قتله عشقه الرباني ، وقتل المحبة الإلهية الكشف عن نفسه ومعرفته بها بحيث لم يبق فيه لنفسه حركة أصلا وهو الموت الاختياري كما قدمناه وإن بقي بأحواله كلها في ظاهره على ما هو عليه في حياته الدنيوية . وقوله وفيت حقه ، أي حق الحب وما يقتضيه من نتيجته النافعة في الدنيا والآخرة ، وهي ظهور أمر اللّه تعالى في ظاهر العبد وباطنه . وقوله وللمدعي ، أي وقل للمدعي الذي يدعي لنفسه بنفسه مقامات العارفين وأحوال الواصلين ، وليس له معرفة ذوقية ووجدانية ، بل هو مؤمن مصدق . وقوله هيهات اسم فعل بمعنى بعد أي الذي أنت فيه من الأحوال النفسانية بعيد جدّا عن الأحوال الوجدانية والأمور الذوقية التي تدعيها بالكذب والبهتان ، وإنما أنت مؤمن بالغيب بعيد من مقام الإحسان . وقوله ما الكحل ، بفتح الكاف وفتح الحاء وهو أن يعلو منابت الأشفار سواد خلقة أو أن تسود مواضع الكحل . وقوله الكحل ، بضم الكاف وسكون الحاء وهو الإثمد وكل ما وضع في العين لتشفى به ، وهذا مثل أصله ( ليس التكحل في العينين كالكحل ) والمعنى ليس الكحل الأسود الموضوع في العين مثل الكحل بالتحريك السواد الخلقي الذي جعله اللّه تعالى في العين . وكذلك ليس ذوق المعرفة الإلهية ووجدان المعارف الربانية ، والإحساس بالأمور الحق الذي أقام به كل شيء على الكشف والشهود مثل فهم ذلك بالعقل وتخيله بالقوة الخيالية وهو غائب عنه فيدعيه زورا وبهتانا وظنّا وحسبانا .